حسين بن منصور الحلاج
9
ديوان الحلاج
فما كان من الحلاج إلّا أن حرد ورمى بثياب الصوفية ، ولبس قباء ، وأخذ في صحبة أبناء الدنيا « 1 » . ولم يفعل الحلاج ذلك إلّا مبالغة منه في الارتماء بكليته بين يدي اللّه . إنه لا يفهم الصوفية زيّا ، ولا يفهمه انعزالا ، وإنما يفهمه سعيا إلى المعرفة وجهادا ضد النفس ؛ وحربا على الظلم والاستبداد ؛ ودعوة إلى العدل وإحقاق الحق « 2 » . وروى حمد ابن الحلاج أن أباه بعد ما رمى بثياب الصوفية ( غاب خمس سنين ، بلغ إلى خراسان ، وما وراء النهر ، ودخل إلى سجستان ، وكرمان ، ثم رجع إلى فارس ، فأخذ يتكلم على الناس ، ويتخذ المجالس ، ويدعو الخلق إلى اللّه ، وكان يعرف بفارس بأبي عبد اللّه الزاهد ، وصنف لهم تصانيف ، ثم صعد من فارس إلى الأهواز ، وتكلم على الناس ، وقبله الخاص والعام ، وكان يتكلم على أسرار الناس وما في قلوبهم ، ويخبر عنها ؛ فسمي بذلك حلاج الأسرار ، فصار الحلاج لقبه ، ثم خرج إلى البصرة وأقام مدة يسيرة ، وخرج ثانيا إلى مكة ، ولبس المرقعة والفوطة ، وخرج معه في تلك السفرة خلق كثير « 3 » ، فحسده أبو يعقوب النهر جوري « 4 » ، فتكلم فيه بما تكلم ) « 1 » . ويرى سامي مكارم « 5 » أن خروج الحلاج إلى مكة برفقة أربعمائة من أتباعه يعد تظاهرة من المؤمنين به ؛ الناقمين على الفساد ، وأن الحلاج استطاع أن يدخل في قلوب مريديه مفهوما اجتماعيا يعنى بإصلاح المجتمع عنايته بإصلاح الفرد ، وهذا ما جعل السلطة الحاكمة تنظر نظرة خوف على مصالحها من الحلاج وأتباعه .
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 8 / 113 . ( 2 ) الحلاج فيما وراء المعنى ص 27 . ( 3 ) قيل كان معه أربعمائة رجل . انظر تاريخ بغداد 8 / 125 . ( 4 ) ورد في أخبار الحلاج رقم 18 أن أبا يعقوب النهر جوري كان ينكر على الحلاج ما يراه منه ، إلّا أنه رجع عن إنكاره في آخر عمره . ولعل ما كان ينكره النهر جوري هو اعتقاده أن الحلاج كان مخدوما . انظر تاريخ بغداد 8 / 125 ، 126 ، وسير أعلام النبلاء 14 / 320 ، وأخباره رقم 19 . ( 5 ) انظر كتابه « الحلاج » ص 29 ، 30 .